السيد علي الطباطبائي

313

رياض المسائل ( ط . ق )

ومقتضى الأصل الانتفاء إذا جاز الاعتماد عليه شرعا وإلا فالثبوت أقوى عملا بعموم ما دل على إيجاب فعل المفطرات القضاء ويحتمل وجوب الكفارة أيضا هنا وفيما مضى كما ذكره في المدارك وفاقا لجده إما لصدق التعمد عليه حقيقة كما ذكراه أو لعموم بعض النصوص الصحيحة بوجوبها بفعل المفطر مطلقا من غير تقييد بالتعمد وأن ما هو في أكثر أخبارها في كلام الرواة خاصة فلا يصلح مقيدا لما أطلق من أخبارها وحينئذ فالأصل وجوبها مطلقا إلا ما قام الدليل على العدم فيه وليس منه ما نحن فيه وبعض الأخبار الدالة على اشتراط التعمد بالنسبة إليها بل والقضاء أيضا ضعيف السند بل والدلالة كما بينته في محل التوبة وأخرى اللهم إلا أن يقال بالاتفاق على التقييد بالعمد فيها وفيه أنه لا يتم في محل النزاع وكيف كان لا ريب أنها أحوط وأولى هذا هو الأمر الرابع وأما الخامس فهو ما أشار إليه بقوله والإفطار للظلمة الموهمة دخول الليل بلا خلاف ولا إشكال في وجوب القضاء إن أريد بالوهم معناه المعروف وهو الطرف المرجوح أو الشك المقابلان للظن وانكشف فساد الوهم وبقاء النهار لعموم ما دل على وجوبه بفعل أحد موجباته مضافا إلى ما مر من إجماع الغنية والخلاف على وجوبه مع الشك فمع الوهم بالمعنى الأول أولى ويشكل الحكم بعدم وجوب الكفارة حينئذ بل قطع جماعة من متأخري الأصحاب بوجوبها تبعا للحلي ولعله الأقوى عملا بعموم ما دل على وجوبها إلا ما أخرجه النص والفتوى اتفاقا وليس منه ما نحن فيه جدا خلافا للمختلف فخطئ الحلي في ذلك وقال إنه كلام من لا يحقق شيئا ولم أعرف له وجها نعم لو تبين دخول الليل كان ما ذكره حقا كما لو استمر الاشتباه على الأقوى وفاقا للمنتهى للأصل واختصاص ما دل على القضاء بتناول المفطر بصورة العلم بوقوعه نهارا وإن أريد بالوهم الظن بناء على أنه أحد معانيه أيضا وربما يومئ إليه المقابلة له بقوله ولو غلب على ظنه دخول الليل لم يقض كان وجوب القضاء محل إشكال لاختلاف الأصحاب فيه على قولين بل أقوال بعد اتفاقهم على عدم وجوب الكفارة على الظاهر المصرح به في الروضة وإن احتمل فيها وجوبها مع ظهور الخطأ بل مع استمرار الاشتباه أيضا ولكنه نادر جدا فالمشهور بين القدماء بل مطلقا كما في المختلف والدروس وجوبه مطلقا ومنهم المفيد والشيخ في المبسوط والمرتضى والحلبي والديلمي وغيرهم وهو صريح الفاضلين في المعتبر والتحرير والمنتهى ويميل الفاضل إليه في المختلف لعموم ما دل على وجوبه بفعل أحد أسبابه وللصحيح أو الموثق في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنه الليل فأفطر بعضهم ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس فقال على الذي أفطر صيام ذلك ذلك اليوم إن اللَّه عز وجل يقول ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لأنه أكل متعمدا خلافا للشيخ في النهاية والصدوق والقاضي فيما حكى والفاضل في الفوائد والقواعد وجماعة من متأخري المتأخرين للنصوص المستفيضة منها الصحيح وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك وإن صليت فأعد الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئا ونحوه الخبر ومنها الصحيح أيضا على الظاهر كما قيل عن رجل صام ثم ظن أن الشمس قد غابت وفي السماء علة فأفطر ثم إن السحاب قد انجلى فإذا الشمس لم تغب فقال قد تم صومه ولا يقضيه ونحوه الخبر ومنها الموثق كالصحيح بل الصحيح كما قيل في رجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك قال ليس عليه قضاء وهذه النصوص مع استفاضتها وصراحة ما عدا الصحيحة الأولى منها وظهورها أيضا واعتبار أسانيد أكثرها وإن سلمنا عدم صحتها لا معارض لها عدا الإطلاقات واللازم على تقدير انصرافها إلى محل البحث تقييدها بهذه لأخصيتها بالإضافة إليها والصحيح المتقدم سندا للقدماء وهو بعد الإغماض عن سنده غير واضح الدلالة على مطلوبهم ليس فيه إلا الأمر بصيام ذلك اليوم والمراد به إتمامه دفعا لتوهم أن الإفطار في الأثناء مبيحة في الباقي ولا ينافيه الاستدلال بالآية الكريمة بل يؤكده لدلالتها على وجوب الإمساك إلى الليل مطلقا أكل في الأثناء أم لا وكذا قوله تفريعا عليها فمن أكل بل قوله في تعليل القضاء بأنه أكل متعمدا يؤكد إرادة ما ذكرنا وإلا فالأكل بظن الغروب ليس أكلا متعمدا كما لا يخفى ولئن تنزلنا فلا أقل من احتمال ما ذكرناه احتمالا متساويا فتكون به الرواية مجملة لا تصلح للحجية فضلا عن أن تعارض بها تلك الأخبار المستفيضة التي في الدلالة هي ما بين صريحة وظاهرة مع أنها موافقة لما عليه الجمهور كما صرح به في المنتهى فينبغي حملها على التقية وإن سلمت عما قدمناه من وجوه المناقشة فهذا القول في غاية القوة سيما مع اعتضاده بأصالة البراءة وإن كان الأول أحوط للشهرة العظيمة القريبة من الإجماع من القدماء لولا مخالفة الصدوق لرجوع الشيخ في المبسوط عما في النهاية وعدم معلومية مذهب القاضي في المسألة لاختصاص عبارته المنقولة في المختلف بصورة الشك كعبارتي الخلاف والغنية ويحتمل إرادتهم منه معناه المعروف لغة المقابل لليقين الشامل للظن أيضا فيكون فتواهم فيه الحكم بوجوب القضاء مع دعوى الإجماع عليه كما مضى وأما الفاضل فهو وإن اختار الثاني فيما مر من كتبه لكنه في المختلف الذي هو آخر مؤلفاته قد رجع عنه ومال إلى الأول فيمكن ترجيح الإطلاقات على ما قابلها من النصوص لقطعيتها وشذوذه على ما فرضنا سيما مع قصور سند أكثره عن الصحة وعدم صراحة دلالة الصحيحة بما ذكره في المختلف من أن مضي الصوم لا يستلزم عدم القضاء أقول مع أنها بإطلاقها شاذة لا عامل بها لشمولها لصور الوهم والشك والظن مع العجز من تحصيل العلم بالمراعاة وعدمه ولا قائل بها في الأولين منها قطعا وكذا في الأخيرة مع إمكان العلم خلافا لصاحب الذخيرة فيها فظاهره عدم وجوب القضاء لإطلاق هذه الصحيحة بل جملة نصوص المسألة وفيه أن سياق ما عداها ظاهر في الاختصاص بصورة عدم الإمكان كما لا يخفى وأما هي فيمكن تخصيصها بهذه الصورة توفيقا بينها وبين الأصول المقتضية لاعتبار تحصيل العلم بدخول الليل المؤيدة بجملة من النصوص الدالة على لزوم مراعاة الوقت بالنظر إلى القرص أو الحمرة مع دلالة بعضها كما قيل على أنه مع عدم العذر لا بد في الحكم بدخول الوقت من العلم بغيبوبة القرص أو زوال الحمرة هذا وما أبعد ما بين هذا وبين ما يستفاد من كلام المفيد المحكي في المختلف في المسألة من عدم جواز التعويل على الظن مع الضرورة ولزوم التأخير إلى